القاضي التنوخي
298
الفرج بعد الشدة
فقال : إنّي رأيت البارحة في منامي ، كأنّي بكّرت بليل لأجيك « 5 » ، وليس بين يديّ إلّا غلام واحد ، فسرت في خراب إسحاق بن إبراهيم بن مصعب « 6 » ، لأجيء إلى رحبة الجسر « 7 » ، فإنّي لأسير في القمر ، إذ رأيت شيخا بهيّا ، نظيف الثّوب ، على رأسه قلنسوة لاطئة « 8 » ، وفي يده عكّاز ، فسلّم عليّ ، وقال : إنّي أرشدك إلى ما فيه مثوبة : في حبسك فيج « 9 » مظلوم ، وافى من المدائن ،
--> ( 5 ) يريد لأجيئك ، وقد حذفت الهمزة من الكلمة على طريقة البغداديين التي ما زالوا عليها إلى الآن في حذف الهمزة إذا كانت في آخر الكلمة ، أو إبدالها بالواو أو الياء إذا كانت في وسطها ، راجع حاشية القصّة 167 من الكتاب . ( 6 ) أبو الحسن إسحاق بن إبراهيم بن الحسين بن مصعب المصعبيّ : توفيّ سنة 235 وهو أمير بغداد ، وصاحب الدولة ، فأصبحت داره من بعد ربع قرن خرابا ، وفي هذا عبرة لمن اعتبر . ( 7 ) رحبة الجسر : راجع البحث في آخر القصّة . ( 8 ) القلنسوة : لباس الرأس ، وقد تسمى الشاشيّة ( القصّة 326 من هذا الكتاب ورسوم دار الخلافة ص 43 ) ، وهي طاقية مخروطة الشكل ، مدبّبة الرأس ، تلفّ حولها العمامة ، وعند التخفّف تلبس القلنسوة وحدها ، ولا يلفّ حولها شيء ، وقد رأيت في غرناطة في السنة 1960 صورة للسلطان أبي عبد اللّه بن الأحمر ، صوّرها له المصوّرون الأسبان ، وعلى رأسه قلنسوة ، وكانت القلنسوة تختلف في ارتفاعها ، زيادة ونقصا ، وقد فرض المنصور على جنده لبس القلانس الطوال ، حتى أنّ أحد أتباعه ، وصف نفسه لما لبسها ، أنّ وجهه أصبح في وسطه ( الملح والنوادر للحصري 87 ونهاية الأرب 4 / 37 ) . ثم أصبحت القلنسوة الطويلة من بعده مقصورة على القضاة والفقهاء ، وكانت القلنسوة تدعم من باطنها لتبقى قائمة على الرأس ( راجع رسوم دار الخلافة ص 43 ) ، فإن لم تكن فيها أعواد تدعمها ارتخت وتهدّلت على الرأس وسميت : قلنسوة لاطئة ، وفي المنجد : القلنسوة اللاطئة ، قلنسوة صغيرة تلطأ ، أي تلصق بالرأس ، وما يزال هذا اسمها ببغداد ، ولكنهم يلفظونها بياء مشدّدة ( لاطيّة ) ، وقد تطوّرت القلانس إلى لبدة ، وكلوته ، وشربوش ، وكلاو ، وطاقية ، والطاقية تسمى في بغداد : عرقچين ، واللفظة مكونة من كلمتين : عرق : فصيحة ، وهو الماء الذي يرشح من الجلد ، وچين : فارسية بمعنى طيّة أو ثنية . ( 9 ) الفيج : في الأصل تطلق الكلمة على رسول السلطان الذي يسعى على قدميه ، ثم أطلقت على كل من اتخذ نقل الرسائل صناعة ، وبذلك أصبح « التفيّج » صناعة ، ويعني نقل الرسائل من بلد إلى بلد ،